المكان: طهران
المناسبة: ميلاد الإمام علي(عليه السلام)
الحضور: جمع غفير من أهالي محافظة بوشهر
الزمان: 5/4/1389 ش 13/7/1431 ق 26/6/2010 م
بسم الله الرحمن الرحيم
أبارك هذا العيد السعيد لكل الإخوة والأخوات الأعزاء البوشهريين. لقد قطعتم مسافةً طويلة، وفوحتم حسينيتنا بأنفاسكم المعطّرة المنبعثة من القلوب الموالية.
إن الذكرى الموجودة في ذهن تاريخنا عن أهالي بوشهر هي ذكرى ساطعةٌ جداً وباعثةٌ على الافتخار. مثلما أشار إمام الجمعة المحترم ـ الذي هو بحمد الله عالمٌ نجيب ـ أن لبوشهر تاريخٌ لامعٌ ويعد مفخرة. فأهالي تلك المنطقة الشجعان والمؤمنون استطاعوا مرّات ومرّات أن يفرضوا على عدو هذا البلد وهذا الشعب التراجع وتغلّبوا عليه. وإن أسماء علماء بوشهر المشهورين الذين ذكرهم وهم وجوهٌ معروفة يعتبرون بحق من الأسماء الساطعة في سلك علماء الشيعة. أما اسم القائد المؤمن والشجاع كالشهيد رئيسعلي دلواري فهو من الأسماء التي لا زالت تجذب قلوب المؤمنين الذين تعرّفوا على أحواله وجهاده في مختلف أرجاء البلد. وإننا شاكرون لله أنه بعد انتصار الثورة، هذا الاسم الذي كان يُسعى لإخفائه وإبقاء وجهه مجهولاً قد تردّد على الألسنة، فعُرف ومُدحت شخصيّته وتعرّف الجميع على مظلوميته وشهادته الممتزجة بهذه المظلومية، وفهموا ما جرى. ولا شك بأن يومنا هذا يختلف كثيراً عن تلك الأيام. ففي ذلك اليوم كان هناك عدّةٌ معدودة مع شاب شجاع اضطروا أن يقاوموا القدرة الاستعمارية والإستكبارية لبريطانيا بمظلومية؛ ولكن اليوم أمثال رئيسعلي دلواري ليسوا بقليلين ولم يكونوا لوحدهم. فها هم شبابنا الأعزاء والمضحون، وهؤلاء التعبويون في ميدان القتال العسكري والمواجهة الثقافية والسياسية، إنهم اليوم في أرجاء البلاد منتشرون، وباليقين فإن بوشهر هي من تلك المناطق التي ينشأ فيها أمثال هؤلاء ويزدادون. لا أنسى السفر الذي قمت به قبل عدة سنوات إلى بوشهر. فإنني شاهدت عن قرب ورأيت بروز تلك الروحية الإيمانية العميقة ظاهرة في الناس. وأنتم اليوم تظهرون هذه الروحية أيضاً.
وليعلم الجميع واعلموا أنتم أيها الشباب الأعزاء أنّ الزمن قد تبدّل. فقد انقضى ذلك اليوم الذي كانت القوى قادرة على تهديد شعوب هذه المنطقة كما يحلو لها وتحقيرها؛ وكلما أرادوا يأتون بقواتهم ويمارسون الضغوط. فشعب إيران اليوم قد عُرف في العالم كله أنه شعبٌ مقتدر. والقضية ليست قضية المال ولا السلاح ولا وسائل الإعلام التي يمتلك أعداؤنا منها ألف ضعف مما نمتلكه؛ القضية هي قضية الإيمان والعزم الراسخ والبصيرة وإدراك الشعب لشأنه وموقعيته وحقه. لقد تكشّفت أيادي القوى المستكبرة. ومع كل الدعاية التي يقومون بها وبكل هذه الوسائل الإعلامية الحديثة الموجودة في أيديهم وزعمهم بأنّ الرأي العام العالمي في قبضتهم، فإنّه يوماً بعد يوم تتسافل سمعة هذه القوى ـ وعلى رأسهم أمريكا ـ بين الشعوب أكثر فأكثر، ويُفتضحون أكثر، وتتبلور أكثر قدرة صمود الشعوب ونهضة القوى الشعبية. فالمستقبل لكم وهو متعلّق بكم. والاقتدار الحقيقي حق شعب إيران ومتعلق بشعب إيران؛ ولا يمكن لأي أحد أن يصرفه عن هذا الطريق الذي انتهجه.
حسناً، إن اليوم هو يوم عيدٍ كبير؛ وهو يوم ولادة شخصية لا نظير لها في تاريخ البشرية؛ حيث أننا لا نعرف بعد قدسية وجود خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله) أي إنسان بلغ عظمة شخصية أمير المؤمنين. ويجب اليوم أن نأخذ عيديتنا؛ وعيديتنا هي في أن نأخذ الدرس والعبرة.
إن شخصية أمير المؤمنين(عليه السلام) ومنذ ولادته وإلى حين شهادته كانت شخصيةً استثنائية في جميع هذه المراحل. فولادته كانت في جوف الكعبة ـ حيث أنه لم تحدث قبله ولا بعده ـ وشهادة هذا الإنسان العظيم كانت في المسجد وفي محراب العبادة. وبين هاتين النقطتين كانت كل حياة أمير المؤمنين(عليه السلام) جهاداً وصبراً لله وعرفاناً وبصيرةً وحركةً على طريق رضا الله. وفي بداية طفولته أودعت يد التدبير الإلهي علي بن أبي طالب حضن النبي. فقد كان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام يبلغ ست سنوات حينما جاء به النبي من بيت أبي طالب إلى بيته. فتربّى أمير المؤمنين في حضن النبي وتحت ظله. وأثناء نزول الوحي على النبي كان هو الشخص الوحيد في جنب النبي في غار حِراء وفي تلك اللحظات الحساسة، «ولقد كنت أتّبعه إتّباع الفصيل أثر أمه» .. كان يتبع النبي ولا ينفصل عنه دوماً، ويتعلّم منه دائماً. وهو نفسه يقول في نهج البلاغة في الخطبة القاصعة: «ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي فقلت يا رسول الله ما هذه الرنّة، فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته»، ثم قال له النبي(صلى الله عليه وآله): «إنك تسمع ما اسمع وترى ما أرى». فهذا القرب الذي كان لأمير المؤمنين من النبي تحقق منذ مرحلة الطفولة. ففي مرحلة الطفولة آمن بالنبي، وصلّى معه، وجاهد معه، وضحّى من أجله. وطوال حياته، سواء في حياة النبي، أو بعد رحيله، في المراحل المختلفة، بذل كل جهده من أجل إقامة الحق وإقامة دين الله وحفظ الإسلام. وبقول النبي الأكرم، إن أمير المؤمنين كان ميزان الحق. وقد نُقل بطرق السنة والشيعة: «علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار»؛ فإذا كنتم تريدون الحق فانظروا إلى علي أين يقف، وماذا يفعل، وإلى أين يشير. هكذا كانت حياة أمير المؤمنين.
[التفاصيل pdf] |